محمد حسين علي الصغير
82
تاريخ القرآن
جعل قيد الاستعمال ، أو استنسخ منه ولو نسخة واحدة إلى مكة مثلا ، وهي حرم اللّه ، وقد بقي هذا الحرم فيما يزعم دون قرآن يقرأ أو يتعلم أو يستظهر فيه . وأغلب الظن إذا صحت روايات الجمع المدعى ، فإن أبا بكر قد جمع لنفسه قرآنا في مصحف كما جمع غيره من الصحابة ، وإلا فلو جمعه للمسلمين ، وليس للمسلمين في قرآن مجموع لكان من الضرورة الملحة بمكان أن لا يغيب عن ظنه احتياج المسلمين لعدة نسخ منه على الأقل ، كما فعل عثمان فيما بعد ، أو لأوضح بأنه القرآن الرسمي للدولة التي يقوم على رأسها ، ولو اعتذر بأن حياته لم تطل ، لكان من الواجب على عمر تنفيذ ذلك . والأغرب من هذا كله أنه لم يحدثنا التأريخ أن أحدا في عهد أبي بكر وعمر قد استنسخ من هذا القرآن شيئا ، مما اضطر فيه الدكتور دراز أن يعبر عن رأيه فيه بقوله : « ولكن رغم قيمة هذا المصحف العظيمة ، ورغم ما يستحقه من العناية التي بذلت في جمعه ، فإن مجرد بقائه محفوظا بعناية عند الخليفتين الأولين أسبغ عليه الطابع الفردي أو الشخصي بعض الشيء ، ولم يصبح وثيقة للبشر كافة إلا من يوم نشره ، ولكن فرصة نشره لم تتح إلا في خلافة عثمان بعد معارك أرمينية وأذربيجان » « 1 » . على أن ما صرح به الحاكم في المستدرك أن ذلك كان جمعا في المصحف لا في المصحف إذ قال : « فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه اللّه ثم عند عمر حياته ، ثم عند حفصة بنت عمر » « 2 » . وقد قطع ابن أبي داود بأنها صحف في عدة مواضع من كتابه « 3 » . ودراز وإن اعتبر ما جمعه أبو بكر بحسب الروايات التي ناقشناها ، مصحفا إلا أنه أرجعه إلى عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بالطريقة التي عبر عنها بقوله :
--> ( 1 ) محمد عبد اللّه دراز ، مدخل إلى القرآن : الكريم : 38 . ( 2 ) السيوطي ، الاتقان : 1 / 165 . ( 3 ) ابن أبي داود ، المصاحف : 19 ، 21 ، 23 ، 24 ، 25 . . . إلخ .